حسن الأمين

206

مستدركات أعيان الشيعة

« رضا خان » وتصرفاته المناهضة للشاه ومن ثم عدل عن العودة وأجل موعد سفره إلى وقت غير معين ، وأبلغ قراره إلى طهران . وقد حدثت هذه الأمور في أواسط شهر مهر سنة 1304 ه‍ . ش . الموافق شهر ربيع الأول سنة 1344 ه‍ . ق . واستجرت إلى أواخر هذين الشهرين . خلع الأسرة القاجارية في تلك الأيام كانت كل الوقائع تسير بالملكية القاجارية إلى الزوال ، وتفتح في وجه « رضا خان » طريق الوصول إلى غايته . فالسلطة في الداخل كلها في يده بواسطة الجيش وواسطة المجلس النيابي . وفي أيام فتنة أزمة الخبز اعتقل وجهاء معارضيه المؤيدين للشاه بحجة المحافظة على الأمن وألقاهم في السجن فأمن جانبيهم . بل تجاسر فاعتقل بعض رجال البلاط مستهينا بالشاه ونائبه ولي العهد . والسياسة الخارجية الفعالة في إيران ، أي سياسة السوفيات و [ سلياسة ] سياسة الإنكليز ، تؤيده وتناقض الشاه . وكان هذا قد استدعى إليه سفير إيران في لندن أكثر من مرة وباحثه في موضوع عودته . وكان السفير يفهمه في كل مرة أن الإنكليز لا يوافقون على عودته . بل صرح الشاه مرة بان الإنكليز أبلغوه صراحة لا كتابة أن لا سبيل إلى التعامل بينهم وبينه . ونشرات الأخبار السوفياتية لا تنفك تؤيد « رضا خان » وتصف خصومه بالرجعية . ومن ثم كان الشاه وأنصاره من الإيرانيين ، وإن كانوا أكثرية ، عاجزين لا سبيل لهم إلى المقاومة . وأصبح واضحا أن إقدام « رضا خان » على القيام بخطوته الأخيرة أمر وشيك الوقوع . وأيقن رئيس المجلس « الميرزا حسين خان بيرنيا مؤتمن الملك » - وهو أخو النائب « الميرزا حسن خان بيرنيا مشير الدولة » رئيس الوزارة الأسبق - مما لديه من معلومات ووثائق ، أن موضوع خلع الأسرة القاجارية عن عرش إيران سيعرض على المجلس النيابي لا محالة ، وأن المجلس سيصوت بالإيجاب ، فبادر إلى الاستقالة من رئاسة المجلس ليتجنب مشاركة النواب في مخالفة القانون الأساسي ، إذ أن إقدام المجلس على ذلك ينقض هذا القانون . وليس من حق المجلس أن ينقضه . وكانت استقالة رئيس المجلس في منتصف شهر مهر سنة 1304 ه‍ . ش . الموافق 18 ربيع الأول سنة 1344 ه‍ . ق . وأصر هذا على الاستقالة مع ما بذله النواب من محاولات لاقناعه بالرجوع عنها وانتخب المجلس بدلا عنه « الميرزا حسن خان مستوفي الممالك » . ولكن هذا لم يلبث أن استقال أيضا لنفس السبب . فتولى الرئاسة نائب الرئيس ، وكان من صنائع « رضا خان » . وهيا الحكام العسكريون في مختلف الولايات جماعات من الأهالي يوالون إرسال برقيات إلى المجلس النيابي والصحف يطلبون فيها خلع الأسرة القاجارية . وأوعزوا إلى دوائر البرق والبريد أن تعفي المرسلين من أجرة إرسالها . ولكنها ، عادت فاجبرتهم على أداء أجورها كاملة ، بعد استتباب الأمر لهم . وكثرت النشرات السرية الليلية المطبوعة بطلب إبعاد القاجاريين عن الحكم . وفي أوائل شهر آبان سنة 1304 ه‍ . ش . الموافق ربيع الثاني سنة 1344 ه‍ . ق . أبلغ الوزراء سبعة من النواب من أنصار رئيس الوزارة « رضا خان » أن رئيس الوزارة يطلب منهم ملاقاته في منزله غدا صباحا قبل شروق الشمس . فذهبوا إليه في فجر اليوم الثاني . وهناك أخرج « رضا خان » من جيبه سبحة وقال لهم أريد أن تعاهدوني على أن نكون متحدين متفقين معا في كل قضايا المملكة المهمة . ثم طلب أن يأخذ كل واحد منهم بطرف من السبحة ويعاهدوه على ذلك ففعلوا . وأخذ مثل هذا العهد على غيرهم من النواب وأهل النفوذ . ونصب أنصار « رضا خان » صواوين في المدرسة الحربية وأقاموا مطابخ ومساقي للمرطبات . وفتحوا أبوابها يقدمون فيها الطعام والشراب لمن شاء . واجتمع فيها جماعة من المتشردين والبطالين والفقراء وأهل البطنة يأكلون ويشربون وينامون بالمجان . وأعطوهم عنوان « معتصمين » اعتراضا على حكم القاجاريين . وتلفنوا يوما إلى جماعة من تجار البازار المحترمين أن يحضروا إلى بيت رئيس الوزارة ليشاورهم في بعض الأمور المهمة . فلما حضروا قادوهم إلى تلك المدرسة ليلاقيهم فيها . فلما دخلوا المدرسة احتجزوهم فيها ليكونوا ، بالإكراه ، في جملة المعتصمين ، فيرتفع بهم مستوى هؤلاء المعارضين ونوعيتهم . وفي اليوم الخامس من شهر آبان سنة 1304 ه‍ . ش . الموافق 9 ربيع الثاني سنة 1344 ه‍ . ق . هيا بضعة نواب من أنصار « رضا خان » ، منهم « تيمور طاش » ، مشروع قرار بخلع الأسرة القاجارية عن العرش الإيراني . ثم دعوا النواب واحدا واحدا إلى منزل « رضا خان » وعرضوا عليهم مشروع القرار وطلبوا منهم التوقيع عليه . فوقعه مؤيد ورئيس الوزارة بلا تردد وامتنع آخرون ، ولكنهم عادوا فوقعوا بالوعد تارة وبالوعيد أخرى . وامتنع فريق آخر عن التوقيع فلم يذعنوا . وفي اليوم التاسع من آبان سنة 1304 ه‍ . ش . الموافق 13 ربيع الثاني سنة 1344 ه‍ . ق . عقد المجلس النيابي جلسة ترأسها نائب الرئيس إذ كان هذا قد استقال . وفي هذه الجلسة وافقت الأكثرية على خلع الأسرة القاجارية عن عرش إيران وتولية « رضا خان بهلوي » رئاسة الدولة مؤقتا ريثما تنتخب جمعية تاسيسية جديدة . وعقب نائب رئيس المجلس على هذا القرار بكلمة أثنى فيها على « رضا خان » وخاطبه بلقب « صاحب السمو » . ويجدر بالذكر أن هذه الجلسة لم تكن قانونية لأن في وقائعها مخالفة لنظام المجلس الداخلي . وكذلك كان قرار المجلس بخلع الأسرة القاجارية غير قانوني لأنه يخالف القانون الأساسي . وهذا القانون لا يجوز نقضه وتعديله إلا باستفتاء عام . وقد عارض النائب السيد « حسن المدرس » البحث في هذا الموضوع في المجلس النيابي معارضة شديدة لأنه تجاوز للقانون الأساسي . فمنعه رئيس المجلس من الكلام فخرج من المجلس غاضبا ، وهو يقول : لو وافقتم على البحث في هذا الموضوع بمائة ألف صوت لظل بحثكم مخالفا للقانون الأساسي ! وكان قصر « محمد حسن ميرزا » ولي العهد ونائب الملك محاطا من مدة طويلة بالبوليس السري يراقبون المترددين إليه . وقبل يومين من تلك الجلسة النيابية التاريخية أضيفت إليهم جماعة من الجنود وضباط الجيش ينتظرون الساعة المعينة ليقوموا بما كلفوا به